أين الطريق الى روما ؟

ختمت صلاتي كالعادة بدعاء و قمت أبحث لنفسي عن مكان" لأنصت لحديث عظامي"- كما تقول العجائز هنا -,فاستقر رأيي في الصعود الى سطح المنزل حيث الهدوء اللذيذ يكسح الخواطر ويولج في النفس احساسا معصوما من الوصف , خاصة اذا تعلق الأمر بموعد غروب الشمسة حين تكسح السماء اخر ما استعصى من أشعة الشمس الباقية بلونها الأحمر المسكر بروعته الفاقة و يسرح بالفكر بعيدا الى أن يأذن صعود البدر ببداية الليل.


,

انه أول أيام العطلة , مضى اليوم كما تمضي جميع الأيام :فرح وسعادة و غصب وحزن.. ثم سعادة,جلست أتأمل مرور الثواني أمامي,أسبح في روعة الحياة تارة وفي وحشتها تارات أخرى

لقد وقع تفكيري هذه الأمسية الباردة على موضوع قرأته في احدى اللليالي و أنا أجول بين المدونات و المواقع علي الأنترنت , كان الموضوع منصبا في جانب منه حول فيلم" أنديجان " الذي يتناول قضية المحاربين القدامى في صفوف الجيش الفرنسي ضد النازية , القضو التي انتهت نهاية بئيسة ذللت بانكار السلطات الفرنسية للجميل..شعرت فور قرائة الموضوع باحساس خالص بالحزن على هؤلاء " الرجال" الذين بذلوا الغالي و النفيس من أجل احقاق الحق, لكنهم قوبلوا بالأشواك عوض الورود..لذا كان علي كتابة هذا الموضوع كمساهمة خجولة للذوذ عما يمكن الذوذ عنه

و بينما أجول بين ثنايا ذاكرتي باحثا عن فكرة أكتبها , أجدني مجبرا على سرد قصة غريبة المعالم, ياما بقيت عالقة بذهني كلما وقع فكري على ذكرى ذاك العجوز -العجوز في كل شيء- المسمى ب "بوشته" (محارب سابق في حرب الهند الصينية) ..قليلون هم الذين يعرفونه , أما انا, فقد تعرفت عليه منذ رحٌِل بي الى الثانوية حيث كان يعمل هو حارسا للدراجات..أن بوشته هذا ,كما يقال " طفل في السبعين " بنظرته المزغردة بالجمال و البرائة الصادقة..بكلامه اللطيف تارة والساخط الغضوب تارة أخرى.. ق


كي أكون صادقا,ان أكثر شيء جذبني الى " سي بوشته " هو بساطتة الفائقة و ميلانه الى الصمت أكثر منه الى الحديث رغم ما عايشه طيلة حياته من زوايا تستحق ان تؤلف عنها و منها كتب للتاريخ والجغرافية و الأدب..ولا أظن أن شخصا اخر غير بوشته عايش ربع ما عايشه سي بوشته كان يستطيع القنوع بالصمت قبل أن أن يقيم الدنيا وما عليها ويهز أرجائها الى أن تنقضي الكلمات و يجف المداد ! ...أليس كذالك ؟
لكن ,ذات صباح ,اختفى سي بوشته .. وحل مكانه حارس اخر,سألت عنه بعض الأصدقاء في محاولة يائسة لمعرفة مصيره , لكن لم أجد الجواب الشافي

خبطت الأيام خبط عشواء الى أن أنستنا ذاك الرجل الغريب الرائع , فتعودنا بعد مخاض عسير على نسيان ابتسامته العريضة كلما حل وقت الاياب الى منازلنا ... السي بوشتة ببذالته المهترءة و حذاءه القديم الطنبوري-الى حد ما- ,سيبقى مثالا ونعم المثال للرجل البسيط الذي رغم كونه دخل روما دخول الأسد لعرينه, من أوسع أبوابها يوما من الأيام ...الا أن الزمن دار ,فأدار معه ابرة ميزان " معادن الرجال"...لترجح الى كفة الرجال المزيفين , وتنقلب معالم معايير الرجولة , بل و تؤول الى الزوال قيمها الحقة...وتنطوي قصة بوشته بين أحضان مجلد أخر سيردم بغبار النسيان و تلتهمه أرضة الدهر بعد أن يكوى بنار نكران الجميل ....ف

أوصدت الأبواب كلها أمام بوشتة , و تاهت الطرقات عن طريق روما , وأجبرته و أمثاله من المحاربين القدامى على الخضوع لسياط النسيان ,و نكران الجميل...فحسبي و حسب بوشته الله و نعم الوكيل